محمد داوود قيصري رومي
630
شرح فصوص الحكم
لفنائها في الحق وتلاشيها في الوجود المطلق عند نظر قلب هذا العارف . ولا يتوهم أن عدم الإحساس إنما هو لفناء القلب ، فإن التجلي بالوحدة والقهر يوجب ذلك ، لا بالواسع العليم . وأيضا هذه السعة إنما تحصل للقلب بعد أن فنى في الحق وبقى به مرة أخرى ، فلا يطرأ عليه الفناء حينئذ . قوله : ( فإنه قد ثبت أن القلب وسع الحق ، ومع ذلك ما اتصف بالري ، فلو امتلأ ارتوى ) دليل على ما قال : ( وإنما لا يرتوي ) . لأن الحق لا يتجلى دفعة بجميع أسمائه وصفاته للقلب الكامل ، بل يتجلى له في كل آن باسم من الأسماء وصفة من الصفات ، وكل من ذلك يعد القلب إلى تجل آخر ، فيطلبه القلب باستعداده . وذلك من الحق فلا يرتوي أبدا . وقوله : ( وقد قال ذلك أبو يزيد ) إشارة إلى ما كتب يحيى بن معاذ الرازي إلى أبى يزيد : ( إني سكرت من كثرة ما شربت من محبته ) . فأجاب أبو يزيد : عجبت لمن يقول ذكرت ربى وهل أنسى ، فاذكر ما نسيت شربت الحب كأسا بعد كأس فما نفد الشراب وما رويت أو إشارة إلى ما مر من قوله : ( لو أن العرش وما حواه ) . . . فإنه أيضا يتضمن عدم الارتواء . ( ولقد نبهنا على هذا المقام بقولنا : يا خالق الأشياء في نفسه ) أي ، في علمه الذي هو عين ذاته في مقام أحديته ، ثم في ظاهرية وجوده المسماة بالوجود العيني . ( أنت لما تخلقه جامع ) لأن كله في علمك وفي عينك كالأمواج على البحر الزخار . ( تخلق مالا ينتهى كونه ) أي ، وجوده . ( فيك ) أي ، في علمك وعينك . ( فأنت الضيق ) لأنه لا يبقى لأحد وجود عند ظهور وجودك . ف ( الضيق )